نور الدين عتر
167
علوم القرآن الكريم
جمع القرآن الكريم تدوينا في السطور هذا الجمع هو لون من الحفظ يدوم مع الزمان ، ولا يذهب بذهاب الإنسان ، فلا غرو أن يتحقق أكمل تحقق لهذا الكتاب الذي تكفل اللّه تعالى بحفظه : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ . وقد رافق الجمع بالكتابة كل نجم من نجوم هذا القرآن منذ أن تنزّل هذا النجم بالوحي ، إلى أن تكامل العمل بجمعه في المصحف جمعا محوطا بأشد أنواع العناية والحفاظ ، حتى انتشر بين أمة الإسلام وهو في كل ذلك بإجماعها واطلاعها . وتقتضي الدراسة الدقيقة تقسيم البحث في جمع القرآن إلى ثلاثة مراحل ، كما قسمها المحققون من قبل . جمع القرآن تدوينا على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم : لقد عني النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتابة القرآن عناية بالغة جدا ، فكان كلما نزل عليه نجم دعا الكتاب فأملاه عليهم ، فكتبوه على ما يجدونه من أدوات الكتابة حينئذ مثل الرّقاع ، واللّخاف ، والأكتاف ، والعسب « 1 » . وقد اشتهر أن عدد كتّاب الوحي خمس وعشرون كاتبا ، لكنه فيما يبدو أكثر من ذلك بكثير . فقد بلغ عدد الكتّاب فوق الأربعين ، حسبما أفاده الإحصاء المستقصي لبعض المحققين « 2 » ، وقد حصر النبي الكريم جهد هؤلاء الكتّاب في كتابة القرآن فمنع من كتابة غيره إلا في ظروف خاصة أو لبعض أناس مخصوصين ، كما في الحديث الصحيح : « لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن ، فمن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه » أخرجه مسلم « 3 » .
--> ( 1 ) الرقعة : القطعة من الأديم أي الجلد ونحوه ، واللحاف الحجارة الرقيقة ، والعسب : سعف النخل يكشط طرفه العريض ويكتب عليه . ( 2 ) ابن حديدة الأنصاري في كتابه « المصباح المضيّ في كتّاب النبي العربي » وقد بلغ عدد الكتّاب عنده أربعة وأربعين . ( 3 ) مسلم في الزهد ج 8 ص 229 وأحمد ج 3 ص 21 بلفظه ، وانظر في المسألة كتابنا منهج النقد ص 39 وما بعد .